محمد حسين الذهبي

355

التفسير والمفسرون

أنوارهم ، وأودع علمهم صدره ، وأفنى في كتابة فوائدهم حبره . . . ثم ذكر أنه كثيرا ما خطر له أن يحرر كتابا يجمع فيه ما عنده من ذلك ، وأنه كان يتردد في ذلك ، إلى أن رأى في بعض ليالي الجمعة من شهر رجب سنة 1252 ه اثنتين وخمسين ومائتين بعد الألف من الهجرة ، أن اللّه جل شأنه أمره بطى السماوات والأرض ، ورتق فتقهما على الطول والعرض ، فرفع يدا إلى السماء ، . وخفض الأخرى إلى مستقر الماء ، ثم انتبه من نومه وهو مستعظم لرؤيته ، فجعل يفتش لها عن تعبير ، فرأى في بعض الكتب أنها إشارة إلى تأليف تفسير ، فشرع فيه في الليلة السادسة عشرة من شهر شعبان من السنة المذكورة ، وكان عمره إذ ذاك أربعا وثلاثين سنة ، وذلك في عهد السلطان محمود خان بن السلطان عبد الحميد خان ، وذكر في خاتمته أنه انتهى منه ليلة الثلاثاء لأربع خلون من شهر ربيع الآخر سنة 1267 ه سبع وستين ومائتين بعد الألف ، ولما انتهى منه جعل يفكر ما اسمه ؟ وبما ذا يدعوه ؟ فلم يظهر له اسم تهتش له الضمائر ، وتبتش من سماعه الخواطر ، فعرض الأمر على وزير الوزراء على رضا باشا . فسماه على الفور : « روح المعاني ، في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني » . هذه هي قصة تأليف هذا التفسير ، كما ذكرها صاحبه عليه رضوان اللّه . وقد ذكروا أن سلوكه في تفسيره هذا كان أمرا عظيما ، وسرا من الأسرار غريبا ، فإن نهاره كان للإفتاء والتدريس وأول ليلة لمنادمة مستفيد وجليس ، فيكتب بأواخر الليل منه ورقات ، فيعطيها صباحا للكتاب الذين وظفهم في داره فلا يكملونها تبييضا إلا في نحو عشر ساعات . مكانة هذا التفسير من التفاسير التي تقدمته : ثم إن هذا التفسير - والحق يقال - قد أفرغ فيه مؤلفه وسعه ، وبذل مجهوده حتى أخرجه للناس كتابا جامعا لآراء السلف رواية ودراية ، مشتملا